أبي منصور الماتريدي

155

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ . قال بعضهم : نكرهم وأنكرهم واستنكرهم : واحد « 1 » ، وهو من الإنكار ، أي : لم يعرفهم ؛ ظن أنهم لصوص ؛ لأن اللصوص من عادتهم أنهم كانوا إذا أرادوا السرقة من قوم لم يتناولوا من طعامهم ، ولم يأكلوا شيئا عندهم . وقيل : نكرهم أنهم من البشر . وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً . قيل « 2 » : أضمر منهم خوفا « 3 » ، قال بعضهم : خاف لما ظن أنهم سراق ولصوص ؛ حيث لم يتناولوا شيئا مما قدم إليهم . وقال بعضهم : خيفة ، أي : وحشة : أي : أضمر وحشة ، حيث لم يتناولوا شيئا مما قرب إليهم ؛ فحينئذ علم أنهم ليسوا من البشر ؛ لأن منزل إبراهيم كان ينأى من البلد ، ولم ينزل أحد من البشر إلا وقد احتاج إلى الطعام ، فلما لم يتناولوا علم أنهم ليسوا من البشر ، فما جاءوا إلا لأمر عظيم : لتعذيب قوم وهلاكهم ؛ فخاف لذلك ؛ فقالوا : لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ [ وقال في موضع آخر : إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ . لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً . . . الآية [ الذاريات : 32 ، 33 ] . وقال في موضع آخر : إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ ] « 4 » . وقال في موضع آخر : لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ [ الذاريات : 28 ] ، وقال : فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * يذكر هاهنا أن قولهم : إِنَّا أُرْسِلْنا على أثر سؤال ، وفيما نحن فيه لا كذلك ؛ فالمعنى فيه - والله أعلم - أن ذلك كان على أثر سؤال إبراهيم بقوله : فَما خَطْبُكُمْ * ، لكنه جمع ذلك فيما نحن فيه بالحكاية عن قولهم ، وإن كان مفصولا عنه ، وخرجت الحكاية في موضع آخر على ما كان في الحقيقة ، وذلك مستقيم في كلام العرب ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ . قال بعضهم : قائمة على رؤوس الأضياف ؛ لأنها كانت عجوز ، ولا بأس لعجوز ذلك ؛ ألا ترى إلى قول الله - تعالى - وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ . . . الآية [ النور : 60 ] .

--> ( 1 ) ذكره ابن جرير ( 7 / 70 ) ، والبغوي ( 2 / 392 ) ، وأبو حيان ( 5 / 242 ) . ( 2 ) ذكره ابن جرير ( 7 / 70 ) ، والبغوي ( 2 / 392 ) . ( 3 ) في أ : خيفة . ( 4 ) ما بين المعقوفين سقط في أ .